الشنقيطي
145
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ( 6 ) [ الكهف : 6 ] ، وقوله : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 3 ) [ الشعراء : 3 ] : هو المهلك نفسه ، ومنه قول غيلان بن عقبة : ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه * لشيء نحته عن يديه المقادر وقوله لَعَلَّكَ باخِعٌ في الآيتين يراد به النهي عن ذلك ، ونظيره فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ [ هود : 12 ] أي لا تهلك نفسك حزنا عليهم في الأول ، ولا تترك بعض ما يوحى إليك في الثاني . قوله تعالى : * إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 36 ) [ 36 ] الآية . قال جمهور علماء التفسير : المراد بالموتى في هذه الآية : الكفار ، وتدل لذلك آيات من كتاب اللّه ، كقوله تعالى أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [ الأنعام : 122 ] الآية ، وقوله وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ [ فاطر : 22 ] ، وقوله : وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ( 22 ) إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 37 ) [ 37 ] . ذكر في هذه الآية الكريمة : أنه قادر على تنزيل الآية التي اقترحها الكفار على رسوله ، وأشار لحكمة عدم إنزالها بقوله : وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 37 ) وبين في موضع آخر أن حكمة عدم إنزالها أنها لو أنزلت ولم يؤمنوا بها ، لنزل بهم العذاب العاجل كما وقع بقوم صالح لما اقترحوا عليه إخراج ناقة عشراء ، وبراء ، جوفاء ، من صخرة صماء ، فأخرجها اللّه لهم منها بقدرته ومشيئته ، فعقروها وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا [ الأعراف : 77 ] فأهلكهم اللّه دفعة واحدة بعذاب استئصال ، وذلك في قوله وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً ( 59 ) [ الإسراء : 59 ] وبين في مواضع أخر أنه لا داعي إلى ما اقترحوا من الآيات ، لأنه أنزل عليهم آية أعظم من جميع الآيات التي اقترحوها وغيرها ، وتلك الآية هي في هذا القرآن العظيم ؛ وذلك في قوله أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ [ العنكبوت : 51 ] فإنكاره جل وعلا عليهم عدم الاكتفاء بهذا الكتاب عن الآيات المقترحة يدل على أنه أعظم وأفخم من كل آية ، وهو كذلك ألا ترى أنه آية واضحة ، ومعجزة باهرة ، أعجزت جميع أهل الأرض ، وهي باقية تتردد في آذان الخلق غضة طرية حتى يأتي أمر اللّه ، بخلاف غيره من معجزات الرسل صلوات اللّه عليهم وسلامه فإنها كلها مضت وانقضت . قوله تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 40 ) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ [ 40 - 41 ] الآية .